Open menu
الخميس, 13 أيار 2021 06:56

معالي الشيخ صالح بن حميد في خطبة العيد: فرح المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأذن لأهله وللمسلمين بالفرح والترويح، والمشاهدة، وترك الأحباش يلعبون في المسجد

 
أم المسلمين اليوم الخميس لصلاة العيد في المسجد الحرام معالي إمام وخطيب المسجد الحرام الشيخ الدكتور عبدالله بن حميد، فتحدث فضيلته في خطبته الأولى عن خير ماكتبه الله فقال : فأوصيكم أيها الناس بتقوى الله، فاتقوا الله رحمكم الله، واعلم - يا عبد الله - أن ما كتب الله لك هو خير لك مما تمنيت، فلا تسمح لجهالة ساعة أن تمسح صداقة سنين، فالتغافل من شيم الكرام .

واعلم أن النقد - كما يقول شيخ الإسلام - داء ينسي حسنات الناس، ويذكر مثالبهم، المبتلى بالنقد يدع مواضع الصحة والسلامة، ويقع على مواضع الجرح والأذى، وهذا من رداءة النفوس، وفساد المزاج، وليكن لك - يا عبد الله – خبيئة صالحة، لا تطلع عليها الأعين لتمدحها، ولا تسمعها الآذان لتثني عليها، خبيئة لله، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا.

الخبيئة الصالحة : صلوات تصليها، صدقات تخفيها، أذكار ترددها، آيات تتلوها، ودموع تنثرها، كُرْبٌ تفرجها، يتيم تكفله، وبئر تحفره، أعمال تكتمها، لا القريب يعرفها، ولا آلات التصوير ترصدها، ويوم القيامة تبلى السرائر .

أيها المسلمون : أديتم فرضكم، وأطعتم ربكم، وصمتم شهركم، تقبل الله منا ومنكم الصيام والقيام، وصالح الأعمال، وعيدكم مبارك، افرحوا بفطركم كما فرحتم بصيامكم، جعل الله سعيكم مشكورا، وذنبكم مغفورا، وزادكم في عيدكم فرحة وحبورا، وبهجة وسروراً، وعجل الله رفع هذا البلاء، ودفع عنا الوباء؛ اللهم فرج عنا ما قلت معه حيلتنا، وضعفت عنه قوتنا، واجعلنا في حفظك، وحرزك وأمانك، ورحمتك وفضلك.

وأكمل فضيلته خطبته بتذكير الناس بأن العيد أيام فرح وسرور فقال: الهموم على كثرتها، والمآسي على ثقلها، والغموم على عظمها، لا ينبغي أن تكون مانعا من الحديث عن المبهجات والمسرات، وإذا لم يكن الحديث عن الأحوال السارة، والأمور المبهجة في يوم العيد فمتى يكون، وهل يكون عيد من غير بهجة؟ وهل يتم عيد من غير جمال ، وزينة ، فكلوا واشربوا ، وتزينوا ، وتجملوا ، ولباس التقوى ذلك خير، أيام العيد أيام بشر، وبهجة ، وسرور ، وفرح ، وترويح ، وحبور، ويوم فرح، ويوم زينة ومرح.

وقال فضيلته ليس مطلوباً أن تُذرف الدموع في يوم العيد بكاء على المآسي، ولا أن يعلو الحزن علي المحيا انشغالا بالهموم، ليس العيد لإحياء الأحزان، وتذكر الآلام، فهو يوم البهجة والزينة، ويوم التزاور، والمحبة، والتهادي، لم يعط العيد حقه من استقبله بهمة فاترة، ونظرة عابسة، الله أكبر، والعزة لله ولرسوله وللمؤمنين، والله أكبر نصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده.

عباد الله: من حق أهل الإسلام يوم عيدهم أن يسمعوا حديثاً مبهجا وكلاما مؤنسا، إذا كان ذلك كذلك فالحديث عن الترويح في هذه الأيام السعيدة هو حديث المناسبة، ومن مُنِح الترويح السماحة والابتسامة، والنفسُ الجادة الناجحة تحتاج إلى الراحة والابتهاج، راحةِ تُجِمُّها، وترويح يُرَوِّحُها، وفسحة تُرِيْحهُا، ترويح لا يحول بينها وبين العزيمة والإنتاج.

واختتم فضيلته خطبته الأولى بنصح المسلمين بالترويح عن النفس فقال: بالترويح يتحقق التوازن بين متطلبات الإنسان في حياته فلا يغلب جانب على جانب؛ يقول أبو الدرداء رضي الله عنه : ( إني لأستجم لقلبي بالشيء من اللهو ليكون ذلك أقوى لي على الحق)؛ وللترويح أثره في التخفيف من التوتر ، والقلق ، والاكتئاب ، والسلبيات ، التي يتعرض لها المرء في حياته، والترويح السليم المنضبط يسهم في الإبعاد عن التفكير في الانحرافات ، والعادات السيئة ، كما يزرع الثقة ، والإيجابية، والتفاؤل، والترويح يدفع إلى مشاركات فاعلة في تنمية المواهب والإبداع ، ويكسب مهارات وخبرات ، ويهيئ للإنتاج والابتكار.

وحينما يكون الإنسان بين بطالة قاتلة وجدِّية صارمة ، فإن الترويح يدفع الملل والضجر ، ويزيل ضيقَ الصدر ، يفتح الآفاق من أجل مزيد من العلم والعمل ، مسابقةٌ بالأقدام ، ومنافسةٌ في الأقلام ، وقوة لتربية الأجساد ، وتعلمٌ للرمي ، وللسباحة ، وللفروسية ، به يصفو الذهن ، ويستعد للتفكير والتدبر ، وبه يستريح ليواصل عمله بنشاط وجد وإقبال، بل الترويح المنضبط المنظم هو من حسن الاستثمار لوقت الفراغ بما يعيد النشاط ، ويجدد الطاقة البدنية والروحية.

وذكر فضيلته الترويح في الإسلام عملية بناء فعالة تثير الهمم والمنافسات ، فهي من أكثر الوسائل أثراً ، وأحسنها في التربية تأثيراً إذا أحسن استغلالها ، وتوظيفها ، والاستفادة منها ، وما أجمل أن يتعلم الصغار ، ومن بعدهم الكبار عن طريق الأنشطة الترويجية، والترويح وسيلة تخدم مقاصد ومصالح تبنى في ظلها سمات الشخصية، الله أكبر ذو القدرة القاهرة، والله أكبر له الحجة البالغة، والآيات الباهرة، ويؤدي هذا الترويح غايته، ويتيح ثمرته إذا اختار المرء رفقة صالحة، وصحبة طيبه تذكر ،وتسدد، وتنبه، ممن يقدر للوقت قدره، وللانضباط حده، فلا يطغى عمل على عمل، ولا يغلب ترويح على مسؤولية للنفس أو للأخرين.

وبعد حفظكم الله : فهناك تلازم بين الترويح ووقت الفراغ، فلا بد من الموازنة، والضبط بين وقت العمل والمسؤولية، وأداء الحقوق، وبين وقت الترويح فلا يطغى أحدهما على الآخر، فترك الفراغ من غير استغلال مضر يجلب السأم، والضجر، والاكتئاب، وطغيان الترويح يحوله إلى لهو مذموم، وضياع للحقوق، يقول عمر بن عبد العزيز رحمه الله: لا بأس على المسلم أن يلهو، ويمرح، ويتفكه، على أن لا يجعل ذلك عادته، وخلقه، فيهزل في موضع الجد ويعبث ويلهو وقت العمل.

واستهل فضيلته خطبته الثانية بتذكير المسلمين بأن الرسول صلى الله عليه وسلم فرح بالعيد وأمر بالفرح به فقال: لقد فرح المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأذن لأهله وللمسلمين بالفرح والترويح، والمشاهدة ، وترك الأحباش يلعبون في المسجد، وأذن في العيد باللهو واللعب، ما لا يكون في غيره، وقال في الجاريتين :( دعهما يا أبا بكر إن لكل قوم عيدا، وهذا عيدنا، فإن في ديننا فسحة فالجد الصارم يُمِلُّ، والمنبت لا أظهراً أبقى ولا أرضا قطع؛ المسلمون يقيمون أعيادهم ومناسباتهم ويفرحون بها، رجالاً ونساء، وصغارا، وكبارا، ويرخص فيها من الأعمال، والتصرفات، ويتسامح فيها مالا يتسامح في غيرها مما يتماشى مع الفطرة الإنسانية.

أيها المسلمون :وهذه بعض الأقوال والنقول المأثورة عن القدوات من الصحابة والسلف رضوان الله عليهم، يقول علي رضي الله عنه: أَجِمُّوا هذه القلوب، والتمسوا لها طرائف الحكمة، فإنها تمل كما تمل الأبدان؛ ويقول ابن مسعود رضي الله عنه : أغيثوا القلوب فإن القلب إذا أكره عمى، ويقول أيضا: إن للقلوب شهوة وإقبالاً، وفترة وإدبارا، فخذوها عند شهواتها وإقبالها، وذروها عند فترتها وإدبارها.

ويقول عمر بن عبد العزيز : تحدثوا بكتاب الله وتجالسوا عليه ، وإذا مللتم فحديث من أحاديث الرجال حسن جميل، وقد قرئ في التنزيل: (في شغل فاكهون)، و(في شغل فكهون)، فمن قرأ:(فاهكون)، فمن اللهو، ومن قرأ : ( فكهون ) فمن المزاح.

وقبل ذلك وبعده ما جاء في صحيح مسلم رحمه الله عن عائشة رضي الله عنها قالت: (والله لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم على باب حجرتي، والحبشة يلعبون بحرابهم في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، يسترني بردائه لكي أنظر إلى لعبهم، ثم يقوم من أجلي حتى أكون أنا الذي انصرفت فاقدروا الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو).

واختتم فضيلته خطبته الثانية بنصح المسلمين بتصافي القلوب فقال: العيد مناسبة كريمة لتصافي القلوب ، ومصالحة النفوس ، مناسبة لغسل أدران الحقد والحسد ، وإزالة أسباب العداوة والبغضاء، وإدخال السرور شيء هين، تسر أخاك بكلمة أو ابتسامة أو ما تيسر من عطاء أو هدية، وتسره بإجابة دعوة أو زيارة، أين هذا ممن قل نصيبه، ممن هو كثير الثياب قليل الثواب، كاسي البدن عاري القلب، ممتلئ الجيب خالي الصحيفة، مذكور في الأرض مهجور في السماء - عياذا بالله -، فافرحوا وأدخلوا الفرح على كل من حولكم، فالفرح أعلى أنواع نعيم القلب ولذته وبهجته.

ومن مظاهر الإحسان بعد رمضان استدامة العبد على نهج الطاعة والاستقامة واتباع الحسنة الحسنة، وقد ندبكم نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم لأن تتبعوا رمضان بست من شوال فمن فعل فكأنما صام الدهر كله.

تقبل الله منا ومنكم الصيام والقيام وسائر الطاعات والأعمال الصالحات الله أكبر ما أنعم ربنا من الفضل والخيرات، والله أكبر ما أفاض من الآلاء والبركات.
110033
صلاة العيد 1W31201203
قراءة 348 مرات آخر تعديل في الخميس, 13 أيار 2021 07:37